المقريزي
19
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )
تسليمة واحدة ، ويقرأ في الركعة الأولى بالبقرة ، وفي الثانية بقل هو اللّه أحد ، ويرفع يديه في القصص إذا دعا . وكان عبد الملك بن مروان شكا إلى العلماء ما انتشر عليه من أمور رعيته وتحوّفه من كلّ وجه . فأشار عليه أبو حبيب الحمصيّ القاضي بأن يستنصر عليهم برفع يديه إلى اللّه تعالى ، فكان عبد الملك يدعو ويرفع يديه ، وكتب بذلك إلى القصاص فكانوا يرفعون أيديهم بالغداة والعشي . وفي هذا الجامع مصحف أسماء ، وهو الذي تجاه المحراب الكبير . قال القضاعيّ : كان السبب في كتب هذا المصحف ، أنّ الحجاج بن يوسف الثقفيّ كتب مصاحف وبعث بها إلى الأمصار ، ووجه إلى مصر بمصحف منها ، فغضب عبد العزيز بن مروان من ذلك ، وكان الوالي يومئذ من قبل أخيه عبد الملك وقال : يبعث إلى جند أنا فيه بمصحف ؟ فأمر فكتب له هذا المصحف الذي في المسجد الجامع اليوم ، فلما فرغ منه قال : من وجد فيه حرفا خطأ فله رأس أحمر وثلاثون دينارا ، فتداوله القرّاء ، فأتى رجل من قراء الكوفة اسمه زرعة بن سهل الثقفيّ فقرآه تهجيا ، ثم جاء إلى عبد العزيز بن مروان فقال له : إني قد وجدت في المصحف حرفا خطأ . فقال : مصحفي ؟ قال نعم . فنظر فإذا فيه إنّ هذا أخي له تسع وتسعون نعجة . فإذا هي مكتوبة نجعة ، قد قدّمت الجيم قبل العين ، فأمر بالمصحف فأصلح ما كان فيه ، وأبدلت الورقة ، ثم أمر له بثلاثين دينارا وبرأس أحمر ، ولما فرغ من هذا المصحف كان يحمل إلى المسجد الجامع غداة كلّ جمعة ، من دار عبد العزيز ، فيقرأ فيه ثم يقص ثم يردّ إلى موضعه . فكان أوّل من قرأ فيه عبد الرحمن بن حجيرة الخولانيّ ، لأنه كان يتولى القصص والقضاء يومئذ ، وذلك في سنة ست وسبعين ، ثم تولى بعده القصص أبو الخير مرثد بن عبد اللّه اليزنيّ ، وكان قاضيا بالإسكندرية قبل ذلك ، ثم توفي عبد العزيز في سنة ست وثمانين ، فبيع هذا المصحف في ميراثه ، فاشتراه ابنه أبو بكر بألف دينار ، ثم توفي أبو بكر فاشترته أسماء ابنة أبي بكر بن عبد العزيز بسبعمائة دينار ، فأمكنت الناس منه وشهرته ، فنسب إليها . فلما توفيت أسماء اشتراه أخوها الحكم بن عبد العزيز بن مروان من ميراثها بخمسمائة دينار ، فأشار عليه توبة بن نمر الحضرميّ القاضي ، وهو متولي القصص يومئذ بالمسجد الجامع ، بعد عقبة بن مسلم الهمدانيّ ، وإليه القضاء . وذلك في سنة ثمان عشرة ومائة ، فجعله في المسجد الجامع ، وأجرى على الذي يقرأ فيه ثلاثة دنانير في كل شهر من غلة الإصطبل ، فكان توبة أوّل من قرأ فيه بعد أن أقرّ في الجامع ، وتولى القصص بعد توبة أبو إسماعيل خير بن نعيم الحضرميّ القاضي ، في سنة عشرين ومائة ، وجمع له القضاء والقصص ، فكان يقرأ في المصحف قائما ، ثم يقص وهو جالس ، فهو أوّل من قرأ في المصحف قائما ، ولم تزل الأئمة يقرءون في المسجد الجامع في هذا المصحف في كلّ يوم جمعة ، إلى أن ولي القصص أبو رجب العلاء بن عاصم الخولانيّ ، في سنة اثنتين وثمانين ومائة فقرأ فيه يوم الاثنين ، وكان قد جعل المطلب الخزاعيّ أمير مصر ، من قبل